محمد بن وليد الطرطوشي
502
سراج الملوك
ولما قتل كسرى بزرجمهر ، وجدوا في منطقته « 1 » كتابا فيه ، إذا كان القدر حقا فالحرص باطل ، وإذا كان الغدر في الناس طباعا فالثّقة بكل أحد عجز ، وإذ كان الموت بكل أحد نازلا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق . وقال ابن عباس ، وجعفر بن محمد ، والحسن البصري « 2 » في قوله تعالى : وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما [ الكهف : 82 ] إنما كان الكنز لوحا من ذهب ، مكتوب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب ! وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح ! وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ! وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها ! لا إله إلا الله محمد رسول الله . وقال يحيى بن معاذ « 3 » : عجبت من ثلاث : رجل يريد تناول رزقه بتدبيره وهو يرى تناقض تدبيره ، ورجل شغله همّ غده ، وعالم مفتون يعيب على زاهد مغبوط . ومن عجيب ما نزل بالإسكندرية : أن رجلا من خدمة السلطان ، غاب عن خدمته أياما ، فقبضه الشّرط وحملوه دار السلطان ، فانساب منهم في بعض الطريق ، وترامى في بئر والمدينة مسرّبة تحت الأرض بأسراب يمشى الماشي فيها قائما ، يخترقها ويدورها ، لأن في دورها آبارا على تلك السّروب ، فما زال الرجل يمشى إلى أن لاح له بئر مضيئة ، فطلع فيها وإذا البئر في دار السلطان ، فطلع الرجل في دار السلطان ، فادّبه السلطان فكان فيه المثل سائر : الفارّ من القضاء الغالب كالمنقلب « 4 » في يد الطالب . وقال ابن مسعود : إنّ الرجل ليشرف على الأمر ، من الإمارة ، والتجارة ، أو غيرها ، ذكره الله تعالى فوق سماواته ، فيقول للملك : اصرف عن عبدي هذا
--> ( 1 ) المنطقة : ما يشد على الوسط من حزام أو ما شابهه . ( 2 ) سبق التعريف بهم . ( 3 ) يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي ، واعظ زاهد لم يكن له نظير في وقته ، من أهل الرأي ، أقام ببلخ ومات في نيسابور سنة 258 ه ، وله كلمات سائرة منها ما هو في النص أعلاه ، ومنها قوله : اجتنبت صحبة ثلاثة أصناف من الناس : العلماء الغافلين - والقراء المداهنين ، والمتصوفة الجاهلين ( الأعلام 8 / 127 ) . ( 4 ) في ( ط ) : كالمنفلت .